محمد بن جرير الطبري
328
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وكان عمله كله خفيه - فكتب إلى عبد الله بن عامر بذلك ، فالحقه بمعاويه ، فلما قدم عليه وافقه وعنده ثريده فأكل اكلا غريبا ، فعرف ان الرجل مكذوب عليه ، فقال : يا هذا ، هل تدرى فيم أخرجت ؟ قال : لا ، قال : أبلغ الخليفة انك لا تأكل اللحم ، ورأيتك وعرفت ان قد كذب عليك ، وانك لا ترى التزويج ، ولا تشهد الجمعة ، قال : اما الجمعة فانى اشهدها في مؤخر المسجد ثم ارجع في أوائل الناس ، واما التزويج فانى خرجت وانا يخطب على ، واما اللحم فقد رايت ، ولكني كنت امرا لا آكل ذبائح القصابين منذ رايت قصابا يجر شاه إلى مذبحها ، ثم وضع السكين على مذبحها ، فما زال يقول : النفاق النفاق ، حتى وجبت قال : فارجع ، قال : لا ارجع إلى بلد استحل أهله منى ما استحلوا ولكني أقيم بهذا البلد الذي اختاره الله لي وكان يكون في السواحل ، وكان يلقى معاوية ، فيكثر معاوية ان يقول : حاجتك ؟ فيقول : لا حاجه لي ، فلما أكثر عليه ، قال : ترد على من حر البصرة لعل الصوم ان يشتد على شيئا ، فإنه يخف على في بلادكم . كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبي حارثة وأبى عثمان ، قالا : لما قدم مسيره أهل الكوفة على معاوية ، انزلهم دارا ، ثم خلا بهم ، فقال لهم وقالوا له ، فلما فرغوا قال : لم تؤتوا الا من الحمق ، والله ما أرى منطقا سديدا ، ولا عذرا مبينا ، ولا حلما ولا قوه ، وانك يا صعصعة لاحمقهم ، اصنعوا وقولوا ما شئتم ما لم تدعوا شيئا من امر الله ، فان كل شيء يحتمل لكم الا معصيته ، فاما فيما بيننا وبينكم فأنتم أمراء أنفسكم فرآهم بعد وهم يشهدون الصلاة ، ويقفون مع قاص الجماعة ، فدخل عليهم يوما وبعضهم يقرئ بعضا ، فقال : ان في هذا لخلفا مما قدمتم به على من النزاع إلى امر الجاهلية ، اذهبوا حيث شئتم ، واعلموا انكم ان لزمتم جماعتكم سعدتم بذلك دونهم ، وان لم تلزموها شقيتم بذلك دونهم ، ولم تضروا أحدا ، فجزوه خيرا ،